Search This Blog

Thursday, January 15, 2015

هل يوجد الكون ان لم نكن نرقبه؟

عالم الفيزياء المرموق -جون وييلر- يقول بأن لديه من الوقت مايكفي للعمل على فكرة واحدة فقط: الوعي الإنساني لايساهم في تشكيل الحاضر فقط بل الماضي أيضا. 


بقلم: تيم فولجر
ترجمة وتصرف: شادي الحاج

يبدو العالم وكأنه يتشكل ذاتيا، جزءا تلو الآخر في هذا الصباح الرمادي والرطب على ساحل ولاية مين. فهنالك شجر الراتينج والصنوبر الأبيض الذي يكسو التلال وكأنه يُخلق لتوه في الضباب، مثله مثل ذلك اللسان الصخري الزاحف نحو البحر. كأن مجرد مشاهدة هذه الأشياء توجدها من عدم. وربما يكون هذا هو مايحدث فعلا.

بينما يتكشف هذا الخلق المبهم، يناقش أكثر سكان الجزيرة شهرة، مفهوما فيزيائيا لا زال يحيره منذ سبعة عقود. ذلك الشعور الباطني بأن الكون يبرز من سديم الاحتمالات وبأننا نعيش في عالم يكتسب وجوده بشكل جزئي من خلال مراقبتنا له.

جون وييلر، العالم والحالم، زميل ألبيرت آينشتاين ونيل بور، ومعلم الكثير من الفيزيائيين المرموقين. الرجل الذي اطلق اسم "الثقب الأسود" على ذلك الشئ الذي يعلق في محيطه الضوء، ذلك الجسم الكوني ذو الكثافة التي لا يمكن تخيلها.

جون وييلر الذي أكمل عقده التسعين في يوليو الماضي يعتبر من أبرز علماء القرن العشرين الذين عكفوا على دراسة اسرار فيزياء الكم والذين رسموا حدود معرفتنا بالزمكان، وبعد عمر حافل بالعطاء في مجالات مختلفة تمتد من الفيزياء الذرية وحتى علم الكونيات، يركز وييلر جهوده في السنوات الاخيرة على ما يسميه "أفكار الأفكار".
يقول وييلر: "أصبت بأزمة قلبية في يناير من العام 2001"
ويستطرد: "هذه إشارة، فالباقي من الزمن قليل، لذلك سأركز على سؤال واحد: كيف يكون الوجود؟؟
لماذا يوجد الكون؟؟
يؤمن وييلر بأن البحث عن اجابة هذا السؤال يتطلب حتما مواجهة كثير من التضمينات والمفاهيم التي تعتبر من غرائب الفيزياء.
فطبقا لقوانين ميكانيكيا الكم، يتأثر الكون بفعل مراقبتنا او دراستنا له بشكل جوهري..
في الماضي وقبل اكتشافات القرن العشرين المحيرة، كان الحد الفاصل بين الحقيقة المجردة للاشياء ووعينا غير المحايد بها يبدو واضحا. ولكن هذا الحد يصبح مبهما حين الأخذ بعين الاعتبار فرضيات ميكانيكيا الكم.
عندما يقوم علماء الفيزياء بدراسة مكونات الوجود الاساسية - الذرات واجزاءها الداخلية أو جسيمات الضوء المسماة "فوتونات"- فان المشاهدات والنتائج تعتمد على طريقة تجهيز وإجراء التجربة. كتلك التجارب التي تحاول تحديد سلوك الذرة ان كان موجيا ام جسيميا، او تلك التي تحاول تحديد مسار الذرة من نقطة الى اخرى.
من وجهة نظر فيزياء الكم يصبح الكون في مثل هذه الحالات مكانا تفاعليا من الدرجة الاولى. وييلر يقبل بهذه الرؤية الكمية ويعتمد عليها في تجاربه العقلية.
كان وييلر جالسا معطيا ظهره لنافذة المنزل الكبيرة، مشبكا أصابعه خلف رأسه ،محدقا في السقف او ما هو ابعد من ذلك عندما بدأ الضباب في الانقشاع كاشفا عن بداية يوم صيفي حار. على الطاولة بجوار الأريكة استقرت صخرة ذات وجه أملس يشبه شعار ين-يانج الصيني.
"الصخرة عمرها 200 مليون عام " يقول وييلر
ويستطرد: "دورة واحدة لمجرتنا"
وبالرغم من ملامحه التي توحي بالوقار والاهتمام فان وجهه يصبح صبيانيا عندما يبتسم. هكذا فعل بعد ان أردت مساعدته على النهوض.
وييلر قصير القامة، ثابت البنية، شعره الأبيض متناثر على رأسه ، حماسته الطفولية العفريتية للألعاب النارية أفقدته جزءا من إصبعه عندما كان صغيرا ودفعته احيانا لان يوقد الشموع الرومانية في أروقة جامعة برينستون، حيث اصبح عضوا في الهيئة التدريسية في العام 1938 وحيث لازال يحتفظ بمكتبه.
وييلر إنسان كريم ورقيق الى ابعد الحدود، يصفه صديق له قائلا "جنتلمان في داخل جنتلمان". ولكن هذا السلوك اللطيف يخفي في طياته شيئا اخر: واحدا من اكثر العقول العلمية حبا للمغامرة. فبدلا من الاختباء خوفا من تلك الأسئلة التي تناقش جوهر الوجود، يستلذ وييلر بكل ما هو عميق ومتناقض. فقد كان من اوائل المدافعين عن المبدأ الأنسي، القائل باستحكام كل من الكون و قوانين الفيزياء بما يسمح بوجود الحياة.
لقد عكف خلال العقدين المنصرمين على دراسة فكرة مستفزة علميا يسميها "الخلق من خلال المراقبة". لذلك فهو يعتقد بان مراقبتنا للكون كفيلة بخلق واقع ملموس.
فبالنسبة لوييلر، نحن لسنا مجرد جمهور من المتفرجين في هذا المسرح الكوني، بل صناع وأدوات خلق تعيش في كون تشاركي.
حدس وييلر هو أن الكون يشبه دائرة تغذية استرجاعية هائلة، نشارك ليس فقط في خلق حاضرها ومستقبلها، بل ماضيها أيضا.
لتبسيط هذه الفكرة يشرح وييلر من خلال تجربة شهيرة يسميها هو بتجربة "الخيار المؤجل" والتي تشكل حجر أساس في فيزياء الكم: انها تجربة الشق المزدوج. هذه التجربة في حد ذاتها غريبة جدا حتى قبل اضافة استنتاجات وييلر.
التجربة توضح مبدأ أساسي من مبادئ فيزياء الكم. الضوء لديه خواص ثنائية أي انه يسلك سلوكا ثنائيا. فأحيانا يسلك الضوء سلوك جسيم متماسك -أو فوتون- وأحيانا أخرى يبدو وكأنه موجة تنتشر في الفضاء تماما كتلك التي نراها في بركة ماء.
في تجربة الشق المزدوج يتم تسليط الضوء أو دفعة الفوتونات على شقين متقاربين ومتوازيين في جدار ليسقط على شريط فيلمي (فوتوغرافي) مثبت على مسافة معينة من الجدار المشقوق.
يمكن اجراء هذه التجربة بطريقتين مختلفتين، في الأولى يتم تثبيت مجسات للفوتونات بالقرب من الشقين لتمكين العلماء من مراقبة الفوتونات لحظة عبورها. أما في الطريقة الثانية فيتم اجراء التجربة دون استخدام المجسات وذلك لتمكين الفوتونات من العبور دون مراقبة.
بعد اجراء التجربة بالطريقة الاولى لم يلاحظ حدوث شئ غريب أو مفاجئ، فالفوتون يمر من خلال احدى الشقين. أي ان الفوتونات تسلك سلوك الجسيمات الأخرى في هذه الحالة.
ولكن عند ازالة مجسات الفوتونات، يحدث ما هو غريب وعكس المتوقع.
كان من المتوقع ان تنقسم الفوتونات الي مجموعتين فتعبر مجموعة منها من خلال شق والأخرى من خلال الشق الآخر تاركتان بقعتين منفصلتين على الشريط الفيلمي.ما لاحظه العلماء كان مختلفا، ظهور شريط من الخطوط المتناوبة يمتد محاذاة الشقين على الشريط الفيلمي. ظهور هذا النمط من الخطوط يدل على ان الفوتونات قد سلكت سلوكا موجيا، حيث يقوم كل فوتون منفردا بالانتشار والارتطام بالشقين في ان واحد، مثل موجة تنكسر على حاجز الأمواج في الميناء. الخطوط المتناوبة فاتحة اللون في النمط الظاهر على الفيلم تظهر أماكن التراكب الموجي (التقاء قمتين لموجتين مختلفتين)، أما الخطوط الداكنة تظهر أماكن التهالك الموجي (التقاء قمة موجة مع قاع لموجة أخرى).
نتيجة هذه التجربة تعتمد على الغرض من اجرائها (المرجو قياسه من خلال التجربة).
عند تثبيت المجسات تتصرف الفوتونات كالجسيمات العادية، أي أنها تمر من خلال شق واحد وليس كلاهما معا. في هذه الحالة لا يظهر نمط الخطوط على الفيلم. ولكن عند ازالة المجسات يبدو الفوتون وكأنه يسلك كلا الطريقين معا، اي انه يمر من خلال الشقين في ان واحد مثل موجة صغيرة، محدثا نمطا من الخطوط الداكنة والفاتحة.
وييلر أبدع نسخة كونية لهذه التجربة تشتمل على تضمينات أكثر غرابة مما سبق.
بينما تظهر التجربة التقليدية بأن مراقبة الفيزيائي تؤثر على سلوك الفوتون في تلك اللحظة ، اي في الحاضر، تظهر نسخة وييلر بأن مراقبتنا للفوتون في الوقت الحاضر قد تؤثر على سلوكه في الماضي.
وبهدف التوضيح يخط وييلر رسما توضيحيا على قصاصة من الورق قائلا:
تخيل نجما ساطعا في مجرة بعيدة وحديثة التكوين!
الآن تخيل بأن مجرة أخرى تقع على مسافة بين الارض وذلك النجم الساطع.
من المعروف ان جاذبية الأجسام الضخمة تقوم بحرف الضوء عن مساره تماما كما تفعل العدسات التقليدية المصنوعة من الزجاج.
في تجربة وييلر تنوب المجرة عن الشق المزدوج وينوب النجم الساطع عن مصدر الفوتونات. فالضوء الصادر عن النجم الساطع يمكنه سلوك طريقين مختلفين مارا باحدى جوانب المجرة ..
فالنفترض بان بعض علماء الفلك على الارض قد قرروا مراقبة ذلك النجم الساطع، ففي هذه الحالة ينوب التلسكوب عن مجسات الفوتونات المستخدمة في التجربة الأصلية .
اذا قام الفلكيون مثلا بتوجيه التلسكوب في اتجاه احدى جوانب المجرة، فبإمكانهم ملاحظة فوتونات النجم الساطع التي انحرفت الى ذلك الاتجاه وهذا ينطبق ايضا على الحالة التي يوجه فيها الفلكيون تلسكوبهم في اتجاه الجانب  الاخر.
ولكن بإمكان علماء الفلك محاكاة الجزء الثاني من تجربة الشق المزدوج، فبواسطة ترتيب معين لمجموعة من المرايا يمكنهم تسجيل الفوتونات المختلفة (التي سلكت كلا المسارين في ان واحد) على شريط فوتوغرافي . 
نتيجة لطريقة المراقبة هذه يظهر على الشريط الفوتوغرافي نمط الخطوط المتناوبة بين المعتم والمضئ تماما كما حدث في حالة مرور الفوتون من خلال الشق المزدوج.
وهنا تكمن الغرابة، فقد يكون النجم الساطع بعيدا جدا عن الارض والضوء الواصل إلينا منه خافت لدرجة ان الفوتونات تصطدم بالفيلم الفوتوغرافي مرة واحدة فقط. رغم ذلك لا تتغير نتيجة التجربة ويظهر نمط الخطوط المتناوبة مما يدل على ان احدى الفوتونات لم تتم مراقبته بواسطة التلسكوب قد أخذ كلا المسارين للوصول الى الارض، حتى وان باعدت السنون الضوئية بين هذين المسارين المختلفين. ولكن القصة لا تنتهي هنا.
ففي تلك الثناء التي يقوم فيها الفلكيون باختيار طريقة اجراء التجربة وتحديد القياسات المرجو تسجيلها ( اي مراقبة الفوتون لكي يسلك مسارا معينا او تركه ليسلك كلا المسارين في ان واحد) يكون الفوتون قد قطع ملايين السنين في طريقه اي قبل ان تظهر الحياة على الارض. القياسات التي يقرر العلماء إجراءها الان و في الوقت الحاضرتحدد ماضي الفوتون.
تارة يقوم العلماء باختيار ماض للفوتون يسلك فيه الأخير كلا المسارين الممكنين من النجم الساطع الى الأرض وفي تارة اخرى يقومون بإجبار الفوتون على سلوك ممر محدد في اتجاه التلسكوب، حتى وان كان الفوتون قد بدأ رحلته قبل ان يوجد اي تلسكوب.
قد يبدو مغريا إنكار الإبداع في تجربة وييلر التخيلية، ولكن هذه التجربة حوكيت في المعمل!
ففي العام 1984 قام الفيزيائيون في جامعة "ماريلاند" بإجراء تجربة الخيار المؤجل هذه باستخدام مصدر للضوء ونظام معين من المرايا لتوفير عدة مسارات مختلفة للفوتون، ومن خلال هذه التجربة اثبت العلماء بان المسار الذي يسلكه الفوتون لم يكن محددا قبيل بدء العلماء بإجراء الملاحظات وتسجيل القياسات، وذلك رغم ان هذه الملاحظات والقياسات اُجريت بعد ان غادر الفوتون مصدر الضوء وبدأ رحلته في المسارات التي حددها العلماء باستخدام المرايا (المقصود هنا ان خيار المراقبة جاء مؤجلا، اي بعد انطلاق الفوتون من مصدره).
وييلر يخمن بأننا جزءا من كون يتخلق ومن خلالنا نحن الرقعة البشرية بالغة الصغر في هذا الوجود، يراقب ويبدع الكون نفسه.
ليس المستقبل وحده غير محدد ولكن الماضي ايضا ومن خلال النظر الى الماضي بداية بالانفجار العظيم فان ملاحظاتنا تختار واحدا فقط من الازمنة الكمية الممكنة لهذا الكون.
هل يعني هذا بأن البشر ضروريين لوجود الكون؟
يلعب المراقب الواعي دورا في خلق الكون التشاركي كما يتخيله وييلر، ولكنها ليست الطريقة الوحيدة او الأهم التي تتحول فيها الاحتمالات الكمية الى حقيقة ، فالدور الرئيس والاهم تلعبه كل من المادة والإشعاع .
وييلر يفضّل ان يضرب مثل جسيم عالي الطاقة صدر عن مادة مشعة في القشرة الارضية مثل الراديوم، هذا الجسيم مثله كمثل الفوتون في تجربة الشق المزدوج، له اكثر من حالة وجودية واتجاهات انطلاق ممكنة في ذات الوقت. ولكن حالات الوجود هذه لا تصبح حقيقية بالمعنى المعهود حتى يتفاعل الجسيم مع شيئا ما، مثلا قطعة من صخر الميكا في القشرة الارضيّة.
عندما يُحد هذا التفاعل تصبح واحدة فقط من تلك الاحتمالات الوجودية في نطاق الحقيقة، ففي حالة قطعة الميكا، يكون الشئ وليس الوعي الإنساني سببا في تحويل الممكن الحدوث الى حدث حقيقي وقطعي. وفي هذه الحالة يصبح الأثر الذي تركه الجسيم عالي الطاقة في قطعة الميكا جزءا حقيقيا من الواقع.
وييلر يرى بان الكون مليئ بمثل هذه الأحداث، ففي كل لحظة يتحول عدد لا متناهي من الاحتمالات الى حقائق واقعة.
في كل لحظة تتحول الإحتمالات الكمية اللامتناهية في طبيعتها الى كون ملموس لا نرى الا جزءا بسيطا منه.
وييلر يعتقد بأن الكون في الغالب يتكون من سحابة احتمالات ضخمة، معظمها لم يتفاعل مع الوعي الإنساني ولا حتى مع كتل المادة الجامدة. هو يرى الكون عبارة عن مسرحا مليئا بالعوالم التى لم يحدد فيها الماضي بعد.
وييلر اول من يعترف بان فهم وقبول هذه الفكرة يحتاج الى افقا عقليا واسعا، فهي ليست بالنظرية العلمية بعد ولكنه الحدس الذي يتخيل الشكل النهائي لنظرية كل شئ، انه دليل هش ومبادرة علمية للإشارة بان لغز الخلق لا يكمن في الماضي السحيق بل في الحاضر الحي.
"وجهة النظر هذه تعطيني الأمل باننا قد نستطيع الإجابة على السؤال الأهم : كيف وجد الكون!؟